كشفت تطبيقات التواصل الاجتماعي عن مواهب فنية في العزف والغناء لوجوه أسيوية من إندونيسيا وغيرها تؤدي أغانٍ عربية من الخليج واليمن، وعلى وجه التحديد من أغاني حضرموت، وذلك يقودنا إلى تقصي جذور هجرة الأغنية الحضرمية إلى بقاع مختلفة في إفريقيا وآسيا، ضمن موجات هجرة الحضارم التي تتناول الكتابات التاريخية دورهم في نشر الإسلام في عدد من البلدان وتأثر المجتمعات التي يحلون فيها بأمانة التجار الحضارم ورقي أخلاقهم وتسامحهم وقدرتهم على الاندماج والتعايش الإيجابي، إلا أن البحث في وصول الغناء الحضرمي إلى مناطق مختلفة من بلدان المهجر لم يتعمق كثيرًا في هذه الظاهرة.
ومن الواضح أن الحضرمي الذي كان يحزم حقيبته متجهًا إلى مهجره البعيد، لم يكن ينسى ذكرياته وثقافته وفنونه الشعبية، فيحملها معه أينما حل ويظل يرددها في المسامرات والاحتفالات ومناسبات الزواج، وهكذا أضافت هجرة الحضارم إلى جانب أبعادها الاقتصادية أبعادًا اجتماعية وفنية وثقافية لا يمكن تجاهل أثرها في المجتمعات التي استقبلت موجات المهاجرين من جنوب شرق اليمن.
على مستوى فن الطرب في العصر الحديث يحضر اسم الفنان الراحل محمد جمعة خان الذي عاش بين مومباي وحضرموت والكويت في النصف الأول من القرن العشرين، ويكاد يمثل صورة بانورامية للفنان القادم من جنوب الجزيرة العربية والذي نجح في الجمع بين هويات متعددة لكنه استطاع تذويبها دون أن يفقد خصوصيته الحضرمية. ولد عام 1903 في إحدى قرى دوعن بحضرموت أيام السلطنة القعيطية التي كانت على صلة متينة بالهند، ووالده من أصول هندية أما والدته فهي حضرمية، وتشرب خصوصية الغناء الشعبي الحضرمي وفن “الدّان” منذ طفولته، وعندما سافر إلى الكويت في الخمسينيات لتسجيل أسطواناته كان له تأثيره في نقل الصوت الحضرمي إلى الغناء الخليجي، إلا أن الوصول إلى ذروة التلاقح الفني مع الخليج في هذا المضمار ستكون من نصيب فنان معاصر هو الراحل أبي بكر سالم بالفقيه الذي نقل الغناء الحضرمي واليمني إلى مرحلة متقدمة على مستوى اللحن والأداء والتوزيع الموسيقي والانتشار.
جح أبو بكر سالم في أداء دور مؤسسي في نشر الأغنية الحضرمية سيمتد أثره إلى المستقبل، ولا يمكن تجاوز دوره في التحديث والتطوير والارتقاء بالأغنية من طورها الشعبي البسيط إلى القالب الأحدث الذي يرتدي حلة موسيقية مكتملة الملامح، إلا إذا ذكرنا دور الفنان التهامي الخبير والمتبحر في دراسة الموسيقى والعزف على العود الفنان والملحن أحمد فتحي، والذي جمعته هو الآخر بالفنان أبي بكر سالم علاقة فنية، وكأن همّ التحديث والتطوير هو القاسم المشترك الذي يجمع الكبار.
وبين تريم في حضرموت وعدن ثم مدينة جدة وصولًا إلى بيروت، خاض أبو بكر سالم رحلة فنية أسس بفضلها أرشيفه الغنائي المتميز الذي جعل للأغنية الحضرمية ولكلمات رفيقه الشاعر الغنائي أبي بكر المحضار شهرة وحضورًا لامعًا في الذاكرة السمعية.
بعيدًا عن آسيا نذهب إلى إفريقيا وبالتحديد إلى جيبوتي في القرن الأفريقي وهناك ثمة حكاية أخرى تستحق أن تُروى، حيث تمكنت عائلة بامخرمة من تكوين مدرسة غنائية رسخت الأغنية الحضرمية الصوفية في مجتمع إفريقي لم يعرف العربية إلا من خلال الاحتكاك بالتجار الحضارم، ومن المفارقات أن “راديو جيبوتي” كان يبث الأغاني الحضرمية بأصوات مطربين حضارم أشهرهم عبد القادر بامخرمة، ليتلقفها الجمهور في سواحل جنوب اليمن ضمن التراث الغنائي الذي يقطع المسافات عبر الأثير في هجرة عكسية عائدًا إلى أسماع السُكان في بيئة اللحن الأصلية، وبحسب الباحثين الذين تناولوا أثر تسجيلات الفنانين المهاجرين في إذاعة جيبوتي يُحسب لأغانيهم أنها أسست للأغنية الحديثة في جيبوتي نفسها، مما يعني أن الفن الحضرمي شارك أيضًا في صياغة هوية موسيقية لبلد آخر.
عندما يجري الحديث عن الأغنية الحضرمية المهاجرة لا بد من الإشارة إلى رموز الشعر الغنائي في حضرموت وإن كان أبو بكر المحضار يتقدمهم، إلا أن هناك أسماء أخرى لا تقل أهمية عن المحضار مثل حداد بن حسن الكاف الذي يُعدّ من رواد فن “الدان” الحضرمي، وحققت قصائده حضورًا عابرًا للجغرافيا في أوساط المهاجرين الحضارم حتى في سنغافورة وجزيرة جاوة وهذا أحد الملفات التي ينبغي على المؤرخين الاهتمام بتوثيقها بعد أن انشغلوا كثيرًا بتتبع دور التجار الحضارم في نشر الإسلام وأهملوا دورهم كذلك في نشر الثقافة العربية والغناء الحضرمي في بلدان المهجر.
ويبدو أن الحضارم نجحوا منذ وقت مبكر في تحويل “الغربة” من محطة للشكوى والحنين إلى الأهل والوطن إلى فرصة ذهبية للتعايش والازدهار وتوطين معالم بارزة من ثقافتهم المحلية في بقاع جديدة، فجعلوا من أذن المستمع في جاوة ومومباي وجيبوتي وجدة والكويت تطرب للإيقاع اليمني وتتماهى معه دون أن تعرف بالضرورة أين تقع دوعن أو تريم أو الشحر على الخريطة، وهذا ما يجعل من اللون الغنائي الحضرمي من بين أكثر الفنون الشعبية العربية تأثيرًا في الجغرافيا الآسيوية والأفريقية، بعد أن نقلته حناجر المهاجرين الذين كانوا يغنون لأنفسهم في الغربة، فإذا بهم يجلبون الوطن وفنه وتراثه معهم ويزرعون محبته في وجدان الشعوب الأخرى، فكانوا وما زالوا حتى هذه اللحظة على يد أحفاد المهاجرين الأوائل سفراء لفنهم وثقافتهم في البلدان التي هاجروا إليها وغرسوا فيها أغصان الفن الحضرمي الوارفة بالأنغام الراقصة والشجن الأليف.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news