من لغز الزمان والحياة والموت يمكن لنا فهم معنى ظاهرة الاحتفالات بتعاقب الأعوام عند الشعوب بمختلف ثقافاتها وعقائدها. إذ يحتفلون بحياتهم، أي بقائهم أحياء وقدرتهم على توقع العيش في قادم الأيام، أما الأموات فلا يحتفلون أبدًا، ولا توجد جماعة بشرية على هذا الكوكب السابح بين الأفلاك لا تحتفل في كل زمان ومكان بغضّ النظر عن نوع ذلك الاحتفال بالولادة والزواج والحصاد وتعاقب الأيام والأحداث التاريخية والحروب والانتصارات والثورات وغيرها. إذ تُعدّ الاحتفالات السنوية من الظواهر الاجتماعية التي رافقت حياة الإنسان منذ ما قبل التاريخ، بوصفها انزياحًا سوسيولوجيًا وسيكولوجيًا عن السياق الاجتماعي الروتيني للحياة اليومية للشعوب؛ انزياح يتم التعبير عنه بتنويعات شتى من الأفعال والتفاعلات والعلاقات والممارسات والقيم والرموز.
فكل جماعة أو تجمع أو شعب من شعوب الأرض يمارس الاحتفال بوصفه تأكيدًا للوجود والحضور، وتعبيرًا عن الفرح والسعادة بالحياة وإنجازاتها، وتجديدًا للطاقة وتحفيزًا للأمل بالمستقبل. فالأحياء هم الذين يحتفلون بحياتهم دائمًا حتى وإن بدوا أنهم يحتفلون بأمواتهم.
في الأزمنة القديمة ما قبل التاريخ، كان الناس يحتفلون بأنفسهم وبأعيادهم في سياق أسطوري شديد الالتصاق بالطبيعة وتقلباتها ومواسمها، وكانت أعظم الاحتفالات عند الشعوب القديمة هي احتفالات بالمطر والزرع والثمر وبحصاد الثمار نهاية كل عام، وتوقعاتهم بما سوف تجود به السماء والأرض في قادم الأيام.
“كانت الثقافة المصرية القديمة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنهر النيل، ويبدو أن عامهم الجديد يتوافق مع الفيضان السنوي، وفقًا للكاتب الروماني Censorinus، وكان التنبؤ بالعام الجديد مرتبطًا بنجم “الشِّعرى اليمانية” ألمع نجم في سماء الليل، إذ يبدأ العام عندما يكون مرئيًا لأول مرة بعد غياب 70 يومًا. وتحدث هذه الظاهرة عادة في منتصف يوليو قبل الغمر السنوي لنهر النيل، مما يساعد على ضمان بقاء الأراضي الزراعية خصبة للعام المقبل.
واحتفل المصريون بهذه البداية الجديدة بمهرجان يُعرف باسم Wepet Renpet، والذي يعني “افتتاح العام”، وكان يُنظر إلى العام الجديد على أنه وقت ولادة جديدة وتجديد الشباب، وتم تكريمه بالأعياد والطقوس الدينية الخاصة” (ينظر، بسنت جميل، اليوم السابع، السبت، 02 يناير 2021، 06:00).
وفي رواية أخرى أوردها جيمس هنري باستيد في كتبه فجر الضمير الإنساني إذ أكد: “أن المصريين في كل عام كانوا يحتفلون في أبيدوس بعيد شجرة “أوزير” أمام معبده، فيأتون بأكثر الأشجار اخضرارًا لنصبها وزرعها في وسط الميدان الذي يكتظ بالرجال والنساء والأطفال والشباب انتظارًا للهدايا والعطايا، وتلك الشجرة هي التي انحدرت إلينا في صورة العيد الذي لا نزال نقيمه ونزينه بالابتهاج والرقص. حيث يتلقى الكتبة طلباتهم وأمنياتهم ويسجلونها على الشقافات والبرديات ويضعونها تحت قدمي “أوزير الشجرة”، فيحققها لهم كهنة المعبد قدر الإمكان”.
وكانت الشعوب القديمة في منطقة بلاد الرافدين وسوريا تحتفل، بحسب دورة الطبيعة، بأعياد الحصاد والزرع. إذ كان عيد أكيتو في الحضارة البابلية عيدًا للزرع وتحضير التربة للبذور والسقي. إذ كان يُعتقد أن عودة الربيع تعني صعود الإله دموزي من عالم الأموات وعودته إلى الحياة، كما تعود البذور إلى الحياة من جديد بحلول الربيع وتجدد الطبيعة.
وكما هي الحال مع أعياد الربيع الأخرى، مثل النيروز لدى الإيرانيين والأكراد، وشم النسيم لدى المصريين، يحفظ الأشوريون والكلدان والسريان تقاليد الحضارات البابلية والسومرية والأكادية والكلدانية القديمة. إذّاك لم يكن الناس أصحاب عقلية تاريخية، لأن الوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه لا يحدثهم عن التاريخ، ولكنه يحدثهم عن الطبيعة، وهذا ما تنبأ عنه أعيادهم الاحتفالية الموسمية.
كانت أيامًا لم يسجلها التاريخ، بل هي أيام السنة الزراعية التي تتعاقب في كل عام، وهذا يصدق على ما قاله المؤرخ الإنجليزي (إدوارد كار): “يبدأ التاريخ حين يبدأ الناس في التفكير بانقضاء الزمن ليس بمعايير السياقات الطبيعية – دورة الفصول، وآماد الحياة البشرية – وإنما بوصفه سلسلة من الأحداث المحددة التي ينخرط الناس فيها ويؤثرون فيها بصورة واعية”.
أو كما عبّر إيخهارت: “التاريخ هو انقطاع مع الطبيعة يحدث استيقاظًا للوعي”. وهذا ما يراه “إريك فروم” في كتابه الخوف من الحرية بقوله: “بدأ التاريخ الاجتماعي للإنسان ببزوغه من حالة التوحد مع العالم الطبيعي إلى وعيه بنفسه كذاتية منفصلة عن الطبيعة والناس المحيطين به”.
ويرى شبنغلر أن كلمة “الزمان” لا معنى لها عند الرجل الفطري، فهو يحيا دون أن يكون في حاجة إلى إدراك الزمان، لأن كل إدراك إنما ينشأ عن الشعور بالحاجة إلى المعارضة بين شيء بشيء، ومثل هذا الشعور لا مجال لوجوده عند الفطري، لأنه لا يزال يتصور الوجود على أنه تاريخ ولم يتصوره بعد بوصفه طبيعة. ولكن ليس معنى هذا أن الفطري ليس له زمان، كلا، إنه له زمان ولكن ليس لديه شعور بهذا الزمان.
غير أن الأمر المختلف في هذه الظاهرة الاجتماعية التاريخية المستمرة بتنويعاتها المختلفة عند بني الإنسان هو مدى وعيهم بالزمان بوصفه تاريخًا، والتاريخ هو انقطاع عن الطبيعة يحدث استيقاظًا للوعي. ومع تبلور الوعي التاريخي بسيرورة الحياة بالزمان بأبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، أي الذاكرة والوعي والخيال، بدأ التفكير بتوقيت الزمن وتحديده وتقسيمه إلى لحظات وساعات وأيام وأعوام وعقود وقرون بصيغ مختلفة عند الشعوب والأقوام والحضارات، إذ يختلف التقويم عند الصينيين عن التقويم الإسلامي والتقويم اللاتيني.
ويرى خزعل الماجدي أن “عيد رأس السنة من الأعياد الحديثة التي يحتفل بها جميع الناس في الكرة الأرضية، وهو من الأعياد غير الدينية، حيث يفرح الناس بالسنة الجديدة ويقيمون الاحتفالات في ليلة 31 ديسمبر، وأول يوم في التقويم الغريغوري الذي يحل في 1 يناير مع الألعاب النارية التي تبدأ من منتصف الليل حيث تبدأ السنة الجديدة” (ينظر، خزعل الماجدي، عيد رأس السنة لا علاقة له بالديانة المسيحية، صفحته بالفيسبوك).
ويعود تاريخ هذا الاحتفال إلى العصور القديمة، وهو متجذر في الحكايات والأساطير الشعبية شمال إفريقيا، ويُعدّ إحياءً للرابط بين الأمازيغ والأرض التي يعيشون عليها، فضلًا عن ثروة الأرض وسخائها. لذلك يُعتبر يناير احتفالًا بعيد الطبيعة والحياة الزراعية والنهضة والوفرة. وتفضل عدد من العائلات إعداد طبق الكسكسي بسبع خضار خلال هذه الليلة، أو طبق “إيمشيخن” أو “أوركمين”، وهو حساء يُحضّر من مكونات متنوعة من بينها الحمص والشعير والأرز والعدس، إلى جانب “الكرعين” (أقدام الخروف أو البقر).
وجرت العادة على أن تُدسّ نواة تمر في الطعام المقدم بهذه المناسبة، حيث يسود اعتقاد بأن من يعثر عليها سيكون محظوظًا طيلة السنة الزراعية المقبلة، ويطلقون عليه اسم “أسعدي ناسكاس”. وهذا يشبه طقوس واحتفالات أعياد تعاقب الأعوام الهجرية في جنوب الجزيرة العربية كما سوف نلاحظ آنفًا.
ويكشف تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية أن معظم الشعوب البدائية والحديثة تحتفل بتعاقب الأعوام بأشكال مختلفة، لكنها متشابهة في وظائفها السوسيولوجية الأساسية. فوظائف الاحتفال هي ذاتها عند بني الإنسان، إذ تُشبع لديهم حاجات حيوية لكسر الروتين وتغيير النمط وسعادة الإنجاز وتوقع المستقبل والقياس والتقويم المقارن بين ما قبل وما بعد: ماذا تحقق في العام الذي مضى، وماذا يمكننا تحقيقه في العام الجديد؟
ولما كان الإنسان كائنًا زمنيًا، فإن التفكير في التاريخ جزء من انشغالاته، وكل نظرة في التاريخ تُظهر موقف الإنسان من الزمان. فالإنسان هو الكائن الزماني الوحيد، لأنه مفطور على حاستي الذاكرة والتوقع، إذ إنه ينظم حياته داخل شبكة نسيجها الماضي والحاضر والمستقبل. هذا الحس الزماني يرجع إلى الحضارات البدائية. قال الشاعر (جون دن): “الكائنات ذوات الطبيعة الأدنى أسيرة الحاضر، أما الإنسان فكائن مستقبلي”.
وكان البابليون يحتفلون بأعياد تعاقب المواسم بحفلات التزاوج في الهواء الطلق، ظنًا منهم بتحفيز السماء للتزاوج مع الأرض. وهناك كثير من الطقوس والعادات والتقاليد التي تمتلكها الشعوب في محاكاة الطبيعة وتمثيل سلوكها في التخصيب والحراثة والزرع والسقاية والحصاد.
ومن السخف النظر إلى احتفالات الشعوب المسيحية بوصفها مجرد احتفال ديني وشجرة ميلاد وبابا نويل وكريسمس وشرب خمر أو غير ذلك من الرموز التي ترافق الاحتفالات بتبدل السنين الميلادية، إذ إن كل تلك الرموز والعناصر هي جزء من البارادايم الكلي للاحتفال الذي يعني أكثر منها بالتأكيد.
وكلما كانت حياة الأفراد والشعوب منظمة ومستقرة وآمنة في قواعدها المؤسسية الراسخة، كلما كان للاحتفال بعيد رأس السنة قيمة وأهمية واعتبار. إذ يمكن لمواطني تلك الدول المسيطرة على ممكنات تاريخها أن يحتفلوا بما مضى من أيامهم وما حققوه من إنجازات في إطار العام الذي مضى بسعادة وفرح، مصحوبين بالأمل والتطلع إلى عام جديد أجمل وأفضل.
أما من يفتقدون قدر السيطرة على شروط حياتهم اليومية في بلدانهم، ويعيشون حياتهم في مهب العاصفة وبلا مزايا، كما هو حالنا في البلاد العربية المسممة بالحروب والفساد والخوف والخراب، بما يعجزنا عن توقع ما تخبئه الليالي والأيام القريبة القادمة، فليس للاحتفال بتعاقب الأعوام بالنسبة لنا معنى واعتبار. فنحن نعيش في زمن دائري يكرر باستمرار ما قد جرى وكان منذ قديم الأزمان بمختلف الأنماط والصيغ والأشكال، دون أن نعي أن الزمان تاريخ، وأن التاريخ يسير من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل.
فمن العبث الحديث عن الاحتفال برأس السنة الهجرية أو الميلادية، فالأمر سيان! وطالما وقد عجزنا عن القبض على ممكنات التاريخ والسير في ركابه مثل سائر الأمم والشعوب والأقوام، فليس بمقدورنا منع غيرنا من التعبير عن أفراحهم كما يشتهون.
ويجب أن نسأل أنفسنا السؤال البسيط: ما هو الزمن، وكيف نعيه بوصفه تاريخًا متغيرًا باستمرار؟
إنه الزمن الذي:
“يدمر كل شيء
لا أحد بمأمن من الموت سوى الآلهة
الأرض تفنى… كل شيء إلى زوال
حتى الثقة بين الناس تذوى
ويحل محلها عدم الثقة
الأصدقاء ينقلبون على الأصدقاء
والمدن على المدن
مع الزمن… كل شيء يتغير
البهجة إلى مرارة
حتى البغضاء تتحول إلى حب”
وكلمة “الزمن” باليونانية “كرونوس” هي اسم الإله الذي التهم أطفاله، وأوديب عند “سوفوكليس” هو الذي عبّر عن تراجيديا الحياة والموت بهذه الكلمات الشجية.
هذا الوعي الفطري بالطبيعة العابرة للحياة الإنسانية، والتغير والتبدل المستمر الذي يسري على الكون كله، كان ولا يزال مبعث كل الأديان والفلسفات الكبرى. فالخبرة اليومية بالولادة والحياة والموت، لا سيما سر الموت ورهبته، دفعت الإنسان إلى الاعتقاد في عالم سحري مليء بالأرواح وطقوس الموتى.
كان الإنسان مدمجًا بالطبيعة، وكانت الأسطورة هي الأفق الممكن للتفكير والمعرفة والحياة. “فالأسطورة كانت النظام الفكري المتكامل الذي استوعب قلق الإنسان الوجودي، وتوقه الأبدي للكشف عن الألغاز والغوامض والمشكلات التي يطرحها محيطه”.
والأمر المهم هنا ليس هو ماذا يقول الناس ويفعلون، ولماذا يقولون ما يقولونه ويفعلون ما يفعلونه، بل لماذا يعتقدون ويقولون ويفعلون ذلك؟ ومن ينجب يسمي، ومن ينتج يجني، ومن يبني يسكن، ومن ينجز يحق له أن يسعد كما يحلو له. أما العاجز فليس لديه خيارات غير الحسرة والندم على الزمن الذي ضاع دون أن يعلم كيف ضاع ولماذا.
ونحن كائنات تاريخية نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك بالماء، والتاريخ هو ما يصنعه البشر بأنفسهم، ولا شيء يأتي إليه من خارجه، ولا شيء يخرج منه، ولكنه يكسر رؤوس البشر ولا يتكسر رأسه أبدًا.
وفي العصور الفطرية القديمة كان أسلافنا يتدبرون حياتهم في سياقهم الطبيعي على نحو أكثر استقرارًا مما نعيش نحن اليوم، إذ فقدنا الطبيعة الحانية ولم نتمكن من ترويض التاريخ الذي لا يمتلك لا قلبًا ولا عيونًا.
وتحضرني الذاكرة هنا والآن أننا حينما كنا نودع عامًا هجريًا مضى ونستقبل عامًا هجريًا أتى، كان للاحتفال بقدوم العام الهجري الجديد معانٍ ودلالات معبرة وجميلة. إذ يستعد الناس للاحتفال بلحظة الذروة بطرق وأشكال عديدة، ويعبرون عن فرحتهم بالسنة الجديدة بصور ورموز شديدة الاتصال بحياتهم الطبيعية وعلاقتهم بربهم.
فعلى سبيل المثال، كان مزارعو البن في كل أسرة يكلفون سيدة الأسرة، الأم، بوضع سبع حبيبات من ثمار البن الناضجة المختارة بعناية لتضعها في وعاء الطبيخ وتطبخها مع العصيدة وجبة العشاء. وكان جميع أفراد الأسرة ينتظرون تلك الوجبة بلهفة وفرح، لا سيما الأطفال منهم ذكورًا وإناثًا، حيث يحتلقون حول قدح العصيدة وهم يتمتمون بدعوات لله سبحانه وتعالى بأن يرزقهم الحصول على العدد الوفير من حبات البن المخفية في العصيدة، بوصفها تعبيرًا رمزيًا بالبشارة والحظ السعيد والرزق الحلال القادم. ومن حالفه الحظ في العثور على أكبر عدد من حبات البن يوصف بالبرك أو المبارك، وتغمره مشاعر سعيدة. وعلى العكس يكون حال من لم يحالفه الحظ في الحصول على حبة بن واحدة.
وكان الأجداد والآباء يشجعون الأولاد على جلب أغصان شجرة البن الخضراء ووضعها في نوافذ المنازل وأسطحها وهم يرددون الأغنية التالية:
أدخلي يا خضراء واخرجي يا غبراء
ارحبي يا بشرى وأذهبي يا جرباء
أشرقي يا نجلاء وأغربي يا دبراء
مرحبًا يا كحلي بعد تاك العمياء
يا هلا بكِ سهلًا والجديدة أحلى
ربنا يرزقنا رزقًا دائمًا يبقى
وهكذا هو معنى الاحتفال في كل زمان ومكان؛ الأحياء هم الذين يحتفلون بحياتهم حتى وإن بدوا أنهم يحتفلون بموتاهم، وسنة ميلادية جديدة أفضل، وكل عام وأنتم بخير وسلام.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news