بدأت واحدة من أكثر القضايا الفنية إثارة للجدل في تاريخ الغناء اليمني مع الفنان الكبير أبو بكر سالم بلفقيه، الذي تحوّل اسمه من مجرد مطرب محلي إلى أيقونة عربية، في وقت لم تكن فيه مسيرته داخل بلاده تسير دون عوائق أو صدامات. القصة لا تتعلق بالفن فقط، بل تتقاطع مع السياسة والمجتمع والهوية الثقافية، وتكشف كيف واجه أبو بكر سالم بلفقيه تضييقًا داخل وطنه قبل أن يحصد المجد خارجه.
بداية الحكاية مع الإذاعة اليمنية
في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، واجهت أعمال أبو بكر سالم بلفقيه عراقيل متعددة داخل بعض المؤسسات الإعلامية اليمنية، وعلى رأسها الإذاعة الرسمية. لم تكن المشكلة في جودة الأغاني أو شعبية الفنان، بل في الرؤية العامة التي كانت تحكم المشهد الفني آنذاك. بعض أعماله لم تُذع، وأخرى خضعت للتأجيل أو الحذف، ما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الإبداع الفني.
أسباب غير فنية وراء المنع
لم يكن التضييق الذي تعرّض له أبو بكر سالم بلفقيه مرتبطًا بمستواه الفني، بل ارتبط بعوامل اجتماعية وسياسية. فقد رأى منتقدوه أن التطوير الذي أدخله على الأغنية الحضرمية، من حيث التوزيع الموسيقي واستخدام الآلات الحديثة، يُعد خروجًا عن الشكل التقليدي للغناء اليمني. في المقابل، اعتبر أنصاره أن ما قدمه كان ضرورة لمواكبة العصر وحماية التراث من الجمود.
جدل الهوية والتجديد الفني
أثار أسلوب أبو بكر سالم بلفقيه نقاشًا حادًا بين المحافظين والمجددين. فريق رأى في تجربته تشويهًا للأصالة، وفريق آخر اعتبره امتدادًا طبيعيًا لتطور الموسيقى. هذا الجدل لم يبقَ في الأوساط الثقافية فقط، بل تسلل إلى دوائر القرار، ما زاد من حدة التضييق غير المعلن على بعض أعماله داخل اليمن.
الهجرة الفنية وبداية الانتشار العربي
مع استمرار الخلافات وضيق الفرص، اختار أبو بكر سالم بلفقيه الانتقال للعمل خارج اليمن، ليستقر لاحقًا في المملكة العربية السعودية. هناك، وجد بيئة أكثر احتضانًا، وبدأت أغانيه تنتشر في الخليج والعالم العربي بسرعة لافتة. نجاحه الخارجي أعاد طرح سؤال مؤلم في الداخل اليمني حول خسارة أحد أهم الأصوات الغنائية بسبب غياب الدعم.
نجاحه الخارجي يزيد الجدل الداخلي
كلما ازداد حضور أبو بكر سالم بلفقيه على الساحة العربية، زادت حدة الجدل حول موقف بلده منه في بداياته. البعض رأى أن الفنان ابتعد عن جذوره، بينما أكد آخرون أن الظروف هي التي دفعته للرحيل. هذا التناقض جعل قصته مثالًا حيًا على الصراع بين الفن والبيئة الحاضنة له.
من الخلاف إلى الإجماع الوطني
بمرور السنوات، تغيّرت النظرة إلى تجربة أبو بكر سالم بلفقيه. تحوّل من فنان مثير للجدل إلى رمز فني يمني وعربي يُحتفى به رسميًا وشعبيًا. كثيرون اعتبروا ما حدث معه درسًا قاسيًا حول خطورة محاربة الإبداع في بداياته، والنتائج التي قد تترتب على تجاهل الكفاءات الوطنية.
خلاصة ودروس مستمرة
تكشف قصة أبو بكر سالم بلفقيه أن الإبداع الحقيقي قد يُواجه بالرفض قبل الاعتراف، وأن احتضان الفن لا يقل أهمية عن الاحتفاء به بعد النجاح. ومع استمرار النقاش حول حرية التعبير الفني في المنطقة، تبقى تجربته مرجعًا مهمًا لفهم العلاقة المعقدة بين الفنان ومجتمعه.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news