قراءة في مشروع “الجنوب العربي”.. وهم الجغرافيا وأداة السياسة الاستعمارية

     
يمن ديلي نيوز             عدد المشاهدات : 95 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
قراءة في مشروع “الجنوب العربي”.. وهم الجغرافيا وأداة السياسة الاستعمارية

كتبها لـ “يمن ديلي نيوز” خليل الزكري:

يظل مصطلح “الجنوب العربي” أحد أكثر التسميات إيلاماً في الوجدان اليمني، ليس لأنه يستحضر الماضي الاستعماري فحسب، بل لأنه يُستعاد اليوم كمشروع سياسي معاصر، يراد له أن يؤدي الوظيفة نفسها التي صُمّم من أجلها قبل سبعة عقود: فصل جزء من اليمن عن هويته الوطنية وامتداده التاريخي.

ما يقدّم اليوم تحت هذه التسمية ليس فكرة جديدة، بل إعادة تدوير لمخطط بريطاني قديم، ولد في خمسينيات القرن الماضي، حين سعت بريطانيا إلى هندسة كيان سياسي مصطنع تحت اسم “الجنوب العربي”، ليكون حاجزاً جغرافياً وسياسياً في وجه أي مشروع يمني جامع.

الجديد فقط هو تغير الراعي الخارجي، بينما بقي الجوهر الاستعماري كما هو، وإن بأدوات محلية هذه المرة.

لم يكن مصطلح “الجنوب العربي” يوماً توصيفاً جغرافياً بريئاً، ولا تعبيراً عن هوية تاريخية مستقلة، بل اسماً سياسياً من صنع الإدارة الاستعمارية البريطانية.

اسم أُريد له أن يعيد تعريف المكان، تمهيداً لإعادة تشكيل الوعي، ثم السيطرة على الأرض.

وقد سقط هذا الاسم مع خروج آخر جندي بريطاني من عدن عام 1967، لكنه يعود اليوم محمولاً على أجندات إقليمية، تتقدمها دولة الإمارات، في سياق استراتيجيات بحرية وعسكرية تهدف إلى السيطرة على السواحل والجزر والموانئ اليمنية.

حين احتلت بريطانيا عدن عام 1839، لم تدخل فراغاً جغرافياً ولا أرضاً بلا هوية، بل ميناءً يمنياً متصلاً بعمقه الطبيعي شمالاً وشرقاً وغرباً. غير أن الاستعمار، كما نبه المفكر والشاعر الكبير عبد الله البردوني في كتابه “اليمن الجمهوري – دراسات في التاريخ والسياسة”، لا يبدأ بالمدفع، بل بالاسم.

فالتسمية هي أولى أدوات الهيمنة، وتشويه الاسم يسبق دائماً السيطرة على المكان. ويشير بوضوح إلى دور التسميات السياسية في خلق هويات زائفة تخدم الهيمنة الخارجية.

وهو ما يفسر إصرار بريطانيا، منذ منتصف القرن العشرين، على استبدال مصطلح “جنوب اليمن” بتسمية “الجنوب العربي”.

هذا المسار يوثّقه بوضوح الدكتور حسين عبد الله العمري في كتابه “تاريخ اليمن الحديث والمعاصر”، حيث يبين كيف تعامل الاستعمار مع الجنوب كوحدة منفصلة قسراً، لا ككيان طبيعي، رابطاً بين مشروع السلطنات، وكيف صنعت بريطانيا لها وضعاً سياسياً خاصاً عبر الحماية، والتقسيم الاستعماري طويل الأمد.

ففي خمسينيات القرن الماضي، رعت بريطانيا إنشاء “اتحاد إمارات الجنوب العربي”، ثم “اتحاد الجنوب العربي”، ككيانات سياسية وظيفية، أُقيمت على إحياء السلطنات والمشيخات، لا باعتبارها تعبيراً عن إرادة شعبية، بل بوصفها أدوات عزل سياسي في مواجهة أي مشروع وطني يمني.

هذه الكيانات لم تنشأ من التاريخ، بل فُرضت عليه، ولذلك انهارت سريعاً أمام تصاعد الكفاح الوطني. لكن ما يُسقط جوهر هذه التسمية ليس فقط سياقها الاستعماري، بل تناقضها الفاضح مع التاريخ اليمني ذاته.

فاليمن، كما يعرّفه الهمداني في “صفة جزيرة العرب”، ليس شمالاً وجنوباً، بل وحدة جغرافية–حضارية متصلة، تمتد من حضرموت والمهرة وسقطرى شرقاً، إلى تهامة غرباً، ومن عدن جنوبا إلى نجران وجيزان وعسير شمالاً.

ويعزز نشوان الحميري هذا الفهم في “شمس العلوم”، حيث يتعامل مع اليمن كوحدة لغوية وثقافية وتاريخية لا تعرف هذه التقسيمات السياسية الطارئة. فاليمني في المدونة التراثية ليس ابن جهة، بل ابن أرض واحدة، تتعدد أقاليمها ولا تنفصل هويتها.

كما يوثق محمد علي الأكوع الحوالي في كتابه “اليمن الخضراء: مهد الحضارة” الامتداد اليمني الطبيعي، بما فيه المخلاف السليماني، كجزء لا يتجزأ من المجال اليمني.

لهذا، لم يكن رفض مصطلح “الجنوب العربي” موقفاً أيديولوجياً عابراً، بل وعياً تاريخياً. فقد استخدمت الحركة الوطنية اليمنية، منذ انطلاق ثورة 14 أكتوبر 1963، مصطلح “جنوب اليمن المحتل” في جميع بيانات “الجبهة القومية”، ربطاً لمعركة التحرر بسياقها الوطني الأشمل.

وجاء إعلان الاستقلال في 30 نوفمبر 1967 ليحسم الأمر نهائياً، باختيار اسم “جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية”، في إسقاط صريح ونهائي لمصطلح “الجنوب العربي”.

اليوم، يعود المصطلح نفسه إلى الواجهة، لا بوصفه ذكرى تاريخية، بل كمشروع سياسي معاصر. إعادة إحيائه لا تعكس حنيناً إلى هوية، بل استعادة لنهج قديم يقوم على تفكيك الجغرافيا، وتمزيق الوعي، وإنتاج سلطة محلية تبحث عن الحكم تحت أي عباءة، حتى وإن كانت عباءة استعمارية مهترئة.

الأخطر، أن هذا المشروع لا يُقدَّم بوصفه تقسيماً صريحاً، بل يغلّف بشعارات الهوية والخصوصية. غير أن الخصوصية، حين تُستخدم لنفي الانتماء الأوسع، تتحول من حق ثقافي إلى أداة سياسية. وهو ما حذّر منه البردوني حين قال إن أخطر ما يفعله الاستعمار هو “أن يجعل الضحية تتبنى لغته وتدافع عن مصطلحاته”.

إن تسمية “الجنوب العربي” لا تجرح الذاكرة الوطنية فحسب، بل تمارس فعل سلخ رمزي للأرض، قبل أن يُستكمل سلخها سياسياً. فالتسمية، كما التاريخ، ليست محايدة. وما يُفرض على الوعي اليوم، يُراد له أن يتحول غداً إلى واقع وحدود ومصائر.

الصراع الحقيقي في هذا السياق، ليس بين شمال وجنوب، بل بين هوية يمنية متجذرة في التاريخ والجغرافيا، وبين هويات جهوية مصطنعة تُستخدم لتسهيل الهيمنة. وقد أسقط اليمنيون هذا المشروع مرة لأنه كان ضد التاريخ، وكل ما يُبنى ضد التاريخ، مصيره السقوط، مهما تغيّرت الأسماء والرعاة.

مرتبط

الوسوم

نشوران الحميري،

المجلس الانتقالي الجنوبي،

الهمداني،

اليمن،

الجنوب العربي،

عبدالله البردوني،

عدن،

نسخ الرابط

تم نسخ الرابط

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

وفاة ناشط بارز عقب تعرضه لحملة تنمر

كريتر سكاي | 510 قراءة 

عاجل... إنفجارات تهز الدوحة

بوابتي | 442 قراءة 

الدكتور النفيسي يوجه نصيحة هامة لدول الخليج بشأن الحرب على ايران

بوابتي | 419 قراءة 

عاجل: هجوم إيراني جديد على الأراضي السعودية وإعلان وزارة الدفاع

موقع الأول | 355 قراءة 

حادثة مروعة لشاب يمني بعد موجة انتقادات أعقبت نشره مقطع فيديو

عدن الغد | 352 قراءة 

توتر كبير في صنعاء وخبراء إيرانيون يطالبون بالمغادرة فوراً

كريتر سكاي | 349 قراءة 

تمزيق صورة ضخمة لعيدروس الزبيدي في عدن

كريتر سكاي | 343 قراءة 

الإمارات وإرهاب إيران.. فاتورة اليمن وسقوط أكاذيب الإخوان

نيوز يمن | 333 قراءة 

اول صورة للطفل الذي توفى اثر دهسه من قبل موكب الوزير في كريتر

كريتر سكاي | 306 قراءة 

فاجعة في الرياض.. وفاة شاب يمني بعد تعرضه لحملة تنمر قاسية على مواقع التواصل

شمسان بوست | 250 قراءة