بشرى العامري:
ارتبطت الغربةُ باليمني ارتباطا وثيقاً عبر التاريخ، حتى غدت جزءاً من هويته الثقافية والإنسانية.
فسنواتُ القهر التي عاشها اليمنيون في ظل حكم الإمامة، ثم قسوةُ الحياة وضيقُ سبل العيش، دفعت الكثيرين إلى الهجرة نحو بلدانٍ بعيدة، تاركين خلفهم أوطانَهم وأحلامَهم، لكنهم حملوا الوطنَ في قلوبهم وأصواتِهم وأغنياتهم.
وانعكس هذا الواقع في تفاصيل حياتهم اليومية، وفي فنونهم الشعبية والشعرية، حيث لا تكاد تخلو قريةٌ يمنيةٌ من مواويل الشجن وصوت النداء للغائب البعيد. فالأمُ والزوجةُ والأختُ في الريف اليمني كنّ يعبّرن بصوتهن الحزين عن لوعة الفراق وانتظار العائد من الغربة، في مشهد صار جزءاً من الذاكرة الجمعية لليمنيين.
من أغنيات أيوب طارش وأبوبكر سالم إلى أغاني عبدالباسط عبسي ومحمد صالح شوقي، تتجلى الغربةُ كحالة وجدانية متوارثة في الشعر والغناء اليمني.
وقد وثّق شعراءُ كبار مثل عبدالله عبدالوهاب نعمان وسلطان الصريمي وأبوبكر المحضار ومحمد الفتيح وصالح نصيب، ومحمد انعم غالب مشاعرَ الشوق والحنين والاغتراب في أعمال خالدة.
ومن “يا مروّح بلادك ليل والشمس غابت” للمحضار وأبوبكر سالم، إلى ” حنين المفارق” و “بالله عليك وامسافر” و“ارجع لحولك كم دعاك تسقي” لأيوب طارش، تتكرّر نغمةُ الحنين ذاتُها التي تحكي قصةَ المهاجر اليمني وتوقَه للعودة.
كما نجد في “مسعود هاجر” لامل كعدل والتي مثلت ملحمةً شعرية لخصت معاناةَ اسرة المغترب قديماً وحديثاً، ومثلها “يا الباله” لمطهر الإرياني وعلي عبدالله السمة، وهي تنقل صوراً موجعة لمعاناة الغربة وقهر الفقد.
لكن تبقى مواويلُ النساء في مواسم الحصاد وسط الحقول المهجورة، وعلى أسطح القرى البعيدة ، الأشدَ تعبيراً عن عمق الجرح اليمني في مواجهة الغياب. فهناك يتجسد تاريخٌ طويل من الغربة اليمنية، وحنينٌ دائم لوطنٍ لا يفارق الذاكرة مهما ابتعدت المسافات.
حيث تمثل الغربةُ في الوجدان اليمني أكثرَ من تجربة سفر أو بحث عن رزق؛ إنها حالةٌ وجوديةٌ متوارثة شكلت جانباً من الهوية الوطنية.
فاليمني أينما حلّ، ظل يحمل وطنَه في لسانه ولهجته وغنائه، يصوغ الحنينَ إلى الأرض والأم والبيت في نغمةٍ لا تنتهي.
وفي زمن النزوح الجديد الذي فرضته الحروب، يبقى استدعاءُ هذا التراثِ الغنائي والشعري الوجداني ضرورةً لتذكير الأجيال بأن الغربةَ ليست قدراً أبدياً، بل فصلا من فصول الشوق المستمر للعودة وبناء وطنٍ يليق بأحلامهم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news