فوضى المحاكم وإجراءات التقاضي في اليمن

     
المنتصف نت             عدد المشاهدات : 131 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
فوضى المحاكم وإجراءات التقاضي في اليمن

فوضى المحاكم وإجراءات التقاضي في اليمن

قبل 9 دقيقة

في اليمن الحزين، لم تعد فوضى المحاكم وغياب العدالة حالة طارئة أو نتاج لحظة سياسية عابرة، بل هي نتيجة تراكم تاريخي ممتد منذ قرون. فقد ارتبط القضاء اليمني منذ عهد الإمامة بنظام قائم على الولاء العائلي والمذهبي أكثر من ارتباطه بمبادئ العدالة والقانون، ما جعل مؤسسات القضاء رهينة لسلطة النخبة الحاكمة، وفي مقدمتها الهاشمية السياسية التي أحكمت قبضتها على مفاصل القضاء ووزارة العدل، ورسخت شبكة مصالح وولاءات حالت دون أي إصلاح جوهري (عبدالباري طاهر، القضاء اليمني بين الإمامة والجمهورية، 2017؛ اليمن الجمهوري – البردوني

).

النظام الإمامي لم ينظر إلى القضاء كجهاز مستقل، بل كأداة لضمان بقاء النظام الاجتماعي والسياسي القائم على "الحق الإلهي" للحكم، ما أفقد القضاء منذ نشأته مبدأ الحياد المؤسسي. هذا الإرث انعكس لاحقًا على البنية الذهنية للقضاة والإداريين، الذين تعاملوا مع القانون باعتباره أداة طيّعة لخدمة السلطة لا المجتمع، وهو ما استفادت منه لاحقًا الهاشمية السياسية في إعادة إنتاج نفوذها.

بعد قيام النظام الجمهوري عام 1962، سنحت فرصة تاريخية لتأسيس قضاء مستقل، إلا أن الصراعات السياسية والحروب الداخلية، خصوصًا بعد اتفاق المصالحة الوطنية عام 1970، سمحت بعودة رموز من النظام الإمامي والهاشمية السياسية إلى مواقع القرار القضائي. بعض الشهادات التاريخية، ومنها ما نشره مركز الدراسات اليمنية، تشير إلى أن القاضي عبدالرحمن الإرياني – رئيس مجلس القيادة حينها – كان مقتنعًا بعودة القضاة، بمن فيهم من حاربوا الجمهورية، بدعوى أنهم الأقدر على إدارة القضاء. هذه العودة أعادت إنتاج البنية التقليدية للسلطة القضائية تحت مسميات جديدة، وسمحت بتغلغل الفكر الإمامي في مؤسسات الدولة.

هذا التغلغل لم يكن شكليًا، بل ممنهجًا؛ إذ جرى الحفاظ على شبكات النفوذ التقليدية من خلال التعيينات الانتقائية، والإبقاء على بعض التشريعات الغامضة التي تسمح بتفسيرات مذهبية ضيقة. وقد استفادت جماعة الحوثيين من هذا الإرث لاحقًا لتوسيع نفوذها داخل وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى (تقرير مجموعة الأزمات الدولية، 2021).

ومع اجتياح الحوثيين لصنعاء في سبتمبر 2014، دخل القضاء اليمني مرحلة أكثر خطورة؛ إذ عمدت الجماعة إلى إحلال عناصر موالية لها في المناصب القضائية العليا، وإقصاء القضاة المستقلين أو إجبارهم على الولاء. لم يقتصر الأمر على تغيير الأشخاص، بل شمل أيضًا إعادة صياغة اللوائح والإجراءات الداخلية للمحاكم بما يضمن إخضاع أي عملية تقاضٍ أو إصدار حكم لرقابة مباشرة من القيادات الميدانية والسياسية للجماعة. وقد وثّق فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة (تقرير مجلس الأمن، 2023) انتهاكات ممنهجة شملت محاكمات صورية، ومصادرة ممتلكات المعارضين، وإصدار أحكام إعدام في غياب ضمانات المحاكمة العادلة.

الأخطر أن هذه السيطرة ليست معزولة عن المشروع الإيراني الإقليمي؛ فالقضاء في اليمن أصبح أداة استراتيجية ضمن منظومة النفوذ الإيراني، على غرار ما فعله حزب الله في لبنان. وفي الحالة اليمنية، جرى استيراد بعض التجارب الإيرانية بشكل مباشر، مثل المحاكم الثورية التي تمنح "شرعية" شكلية لمصادرة الأموال أو إصدار أحكام الإعدام بحق الخصوم، بما يحوّل القضاء من مؤسسة وطنية إلى ذراع سياسية لحركة أيديولوجية عابرة للحدود (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 2022).

هذا التراكم التاريخي والسياسي أدى إلى فقدان ثقة المواطنين في المحاكم، وانتشار الرشوة والمحسوبية، وتعطيل القضايا لسنوات، حتى صارت العدالة سلعة تُشترى وليست حقًا مكفولًا للجميع. ونتيجة لذلك، لجأ كثيرون إلى "العدالة البديلة" عبر التحكيم القبلي أو المسلح، وهو وضع يشبه ما شهدته مناطق النزاع في لبنان والسودان (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019).

كما أن جمع الحوثيين للسلطات الثلاث – التشريعية والقضائية والتنفيذية – في يد عبدالملك الحوثي يتعارض تمامًا مع مبدأ الفصل بين السلطات، ويجعل القضاء أداة طيّعة للسلطة الانقلابية.

غياب القضاء المستقل لا يضر فقط بحقوق الأفراد، بل يفتح الباب أمام الفوضى السياسية، ويضعف الدولة، ويجعلها رهينة لقوى غير منتخبة. النتيجة الاقتصادية كارثية: بيئة طاردة للاستثمار، انهيار الأمن، وهروب رأس المال الوطني والأجنبي خوفًا من الابتزاز والمحاكمات المسيسة. وهذه الظاهرة ليست حكرًا على اليمن، بل تكررت في سوريا وليبيا (تقرير هيومن رايتس ووتش، 2020).

الخاتمة والتوصيات

كسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب إعادة بناء السلطة القضائية من جذورها، عبر:

1. إصلاح تشريعي عاجل لإلغاء القوانين الغامضة أو ذات الطابع المذهبي.

2. إنشاء هيئة رقابية مستقلة لمتابعة أداء القضاة والمحاكم.

3. تأمين الحماية للقضاة المستقلين بدعم دولي وإقليمي.

4. إعادة هيكلة وزارة العدل وربط التعيينات بمعايير مهنية شفافة.

5. تعزيز دور المجتمع المدني في مراقبة الأداء القضائي وإصدار تقارير دورية.

6. ربط أي دعم دولي للحكومة الشرعية بتحقيق تقدم ملموس في استقلال القضاء.

7. حشد دعم المانحين والمنظمات الدولية لمشروع إعادة تشكيل القضاء كركيزة أساسية لاستعادة الثقة في الدولة.

بدون هذه الخطوات، سيبقى اليمن رهينة لدولة بلا عدل ولا إنصاف، ما يطيل أمد النزاعات ويعمق الانقسامات، ويجعل أي تسوية سياسية هشّة وقابلة للانهيار عند أول اختبار.

*أكاديمي ومحلل سياسي يمني

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

خبر سار.. الصحفي فتحي بن لزرق يكشف عن موعد صرف رواتب ستة أشهر دفعة واحدة

عدن توداي | 803 قراءة 

حيدان يضرب بيد من حديد في عدن!: توجيهات لجلال الربيعي لمنع التظاهرات فورًا

المشهد اليمني | 748 قراءة 

قرار من ”العمالقة” يقلب الموازين في عدن.. انتشار عسكري كبير ماذا يجري ؟!

المشهد اليمني | 673 قراءة 

خلافات في (اللواء الثاني دعم وإسناد) تنذر بانفجار الوضع.. قائد سرية يكشف كواليس ويحذر

موقع الأول | 546 قراءة 

مقيم يمني براتب ضخم والنهاية كارثية بسبب الطمع

المشهد اليمني | 510 قراءة 

عاجل: انفجارات عنيفة تهز العاصمة الأفغانية كابول ومقتل كبار حركة طالبان بقصف باكستاني (فيديو)

المشهد اليمني | 488 قراءة 

ضربة قاصمة" لمضاربي العملة وفرصة لإنعاش السوق المحلية بعدن

كريتر سكاي | 417 قراءة 

قائمة بأسماء المقرات الحكومية والمدنية التي استولى عليها المجلس الانتقالي في عدن

الهدهد اليمني | 388 قراءة 

بدء صرف مرتبات عدد من المرافق المدنية والعسكرية مساء اليوم

عدن أوبزيرفر | 336 قراءة 

صرف مرتبات وحوافز موظفين مدنيين في ثلاث محافظات يمنية

يمن إيكو | 325 قراءة