الحلقة الثانية: ليلة الخروج من المعتقل والهروب من صنعاء

     
سما نيوز             عدد المشاهدات : 256 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الحلقة الثانية: ليلة الخروج من المعتقل والهروب من صنعاء

سمانيوز/علي شايف الحريري

انطلقت بي سيارة الجيب من سجن الأمن السياسي، وكنت معصوب العينين، تسير بنا بسرعة جنونية عبر طريق حلزوني متعرج. كنت أسمع صوتًا يبدو لمعتقل آخر يهمس: “ابقَ طرش…” قبل أن يقطع العسكري صوته بجلافة: “اقطع الصوت!”

وأخيرًا، توقفت السيارة، وأنزلوني إلى وجهة لم أعرفها حينها، لكنني اكتشفت لاحقًا أنها مبنى الأمن القومي.

اقتيِدت إلى مكتب، وما زالت عيناي معصوبتين برباط أسود، ويداي مقيدتان بقسوة حتى تركت الأصفاد أثرًا دامغًا ظل أسبوعًا بعد خروجي. كان الألم يمزق معصمي، لكنه لم يكن أشد إيلامًا من قرحة معدتي، التي اشتدت مع مرور الوقت.

“أنت صائم؟”

جاءني الصوت من ضابط كبير، قدّم نفسه بأنه مقرب من الرئيس صالح. أجبته بصوت خافت: “نعم، وعندي قرحة قوية.”

ابتسم وقال: “إفطر، عشان تخف.”

جلبوا لي زجاجة عصير مانجو، ثم أردف: “خلاص، الرئيس عفا عنك.”

لم أصدق، حتى قرب هاتفًا من أذني، وسمعت صوتًا مألوفًا يقول لي: “يا حريري، كنت أتمنى أن يأتي عيدروس أو شلال أو الشنفرة لاستلامك، مثلما فعل أصحاب يافع من أجل الربيعي… لكنك في الأخير ولدنا، وعفا الله عما سلف. ستعيد عند أهلك، وهذه استمارة خاصة مني شخصيًا، عبئها بكل شجاعة ولا تخف.”

لم يكن أمامي سوى الإذعان. كنت أتحرق شوقًا للحرية، لأهلي، لزملائي، لكل شيء يربطني بالحياة. كنت شابًا مفعمًا بالحيوية، لكنني مكبل، وسلاسل السجن تأكل من روحي.

قال لي الضابط: “الآن ستوقع على تعهد يمنعك من ممارسة أي نشاط سياسي أو عسكري ضد الوحدة اليمنية.”

ثم تركني في المكتب، وأزال جندي ملثم الغمامة عن عيني، لأجد نفسي أمام استمارة من الرئيس نفسه. كانت الأسئلة أشبه باستبيان استخباراتي:

لماذا قمتم بإطلاق الحراك الجنوبي؟

ما هي الأسباب؟

كتبت بكل وضوح عن الظلم، عن الطرد من الوظائف، عن طمس الهوية، عن مصادرة الأراضي، عن الاحتلال الذي فرض علينا بالقوة.

بعد أن بصمت على الورقة، عاد الضابط وقال: “الآن سنقلك إلى شارع عام في صنعاء. هناك سنزيل العصابة عن عينيك، وأنت تدبر أمرك بنفسك. عد إلى الضالع، ونفذ ما وقّعت عليه، وإلا تحمل العواقب.”

سألني: “هل تعرف أحدًا في صنعاء؟”

أجبته بمرارة: “لا، دخلتها معصوب العينين وسأخرج منها معصوب العينين.”

طلبت مبلغًا بسيطًا من أمانات السجن، يكفي للعشاء وشراء هاتف بسيط، بالإضافة إلى جواز سفري وملابسي. أحضروا لي كل شيء، وأخذوني بسيارة معتمة، رافقني فيها ضابط وجنديان.

“صاحبك الربيعي أطلقناه قبلك بساعة.” قال الضابط، ثم أضاف: “كان مؤدبًا في كلامه… لا شيء بيننا، نحن إخوة، المشكلة في القلة المخربين منا ومنكم.”

عند الوصول، نزعوا العصابة عن عيني وفكوا قيدي. قال لي الضابط: “انظر إلى كرم القائد، غدًا ستعيد مع أهلك، رغم أن قضيتك كانت تستوجب الإعدام.”

نزلت إلى الشارع، أتنفس الهواء بحرية لأول مرة منذ أكثر من 400 يوم. كان شعورًا غريبًا، أن أرى البشر، الشوارع، الحياة… لم أستطع حمل الكيس طويلًا، فوهبته لمتسول على جانب الطريق.

الجوع كان يعصر بطني، فدخلت مطعمًا وتناولت وجبة ساخنة، وحين رفعت رأسي، رأيت عاملات حبشيات يرتدين سراويل ضيقة. شعرت وكأنني أرى النساء لأول مرة.

بعد العشاء، اشتريت هاتفًا نوكيا وشريحة، واتصلت بأسرتي في عدن. ردوا بفرح، ثم قالوا: “محمد سالم يتصل، توجه فورًا إلى الفندق في المكان الفلاني.”

عندما وصلت، كان محمد سالم هناك، ومعه ضابط يافعي رفيع في الداخلية. جلست، بالكاد أستوعب حريتي، حتى بدأ الهاتف يرن بلا توقف. رقم هاتفي انتشر عبر موقع “بوابة الجنوب”، وأصبحت مكالمات قيادات الحراك الجنوبي تتوالى.

شلال شايع، المعطري صلاح الشنفرة، عيدروس الزبيدي، ناصر الفضلي، زهراء صالح، ومشايخ من شبوة وأبين وحضرموت… الجميع كان على الخط، يهنئني، يشجعني، يطمئنني أن التضحية لا تذهب سدى.

كان الحراك الجنوبي في قمة عنفوانه، والحماس يملأ الأجواء. حتى الصحفي أياد الشعيبي اتصل لإجراء لقاء سريع:

“كيف المعنويات؟ هل ستعود إلى الميدان أم ستأخذ قسطًا من الراحة؟”

لم أتمالك نفسي من الحماس، فأجبته: “أنا لا زلت على بعد أمتار من المعتقل، وأثر القيود ما زال في يدي، لكني أعلنها من صنعاء، في وجه طاغية اليمن، أنني سأعود إلى ميادين النضال، وسنصعّد السلمي والعسكري.”

لم تمضِ سوى دقائق، حتى اتصل صلاح الشنفرة محذرًا: “عليك مغادرة صنعاء فورًا، كلامك انتشر في الإعلام، وهناك أمر باعتقالك من جديد.”

اتصل شلال، وزهراء صالح، وعلي مقبل، وغيرهم، جميعهم قالوا الشيء ذاته: “إذا لم تخرج الليلة، ستعود إلى المعتقل!”

وفي غضون ساعة، كان الترتيب قد تم. جاءنا مهرب، ضابط شمالي يخدم في الضالع، استلم مبلغًا كبيرًا ليكون مسؤولًا عن تهريبنا. صعدنا إلى سيارة “هيلوكس”، وانطلقت بنا بسرعة نحو الضالع، وسط برودة الليل، لا نعلم إن كنا سنصل سالمين، أم سيتمكنون منا مرة أخرى…

الحلقة الثالثة تتبع…

الصورة في ميدان الصمود والشهيد علي حنش يحملني على عنقه بعدما أخذني من سيارة الشهيد القائد المهندس عبدالله الضالعي واوصلني إلى المنصة بجانب شلال والمعطري .. ..

علي شايف الحريري.

31 مارس 2025

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

رجل أعمال يعلن تبرعًا بهذا المبلغ المالي للاعبي المنتخب اليمني

كريتر سكاي | 388 قراءة 

الشيخ عبدالرب النقيب يطلب من السعودية ١٠ مليار دولار وبالاسلحة الثقيلة مقابل تحرير البيضاء

كريتر سكاي | 265 قراءة 

مدير مكتب المحرّمي ينصف الرئيس هادي والعليمي ويوجه نصيحة لـ الجنوبيين

نيوز لاين | 242 قراءة 

تحذيرات مهمة للمواطنين مما سيحدث خلال الساعات المقبلة

الميثاق نيوز | 220 قراءة 

محمد الغيثي من رفض الحوار تحت سقف الدولة الى الظهور رسمياً بجانب علم الجمهورية اليمنية

يمن فويس | 200 قراءة 

نبيل فاضل: "الولاية الحوثية" شكل من أشكال العبودية المعاصرة وتندرج ضمن الاتجار بالبشر

حشد نت | 200 قراءة 

برلماني يمني يتحدث عن وجود محرك خفي يقود معسكر الهجوم على السعودية

كريتر سكاي | 184 قراءة 

عون لنعيم قاسم: الشعب اللبناني ليس شعبك.. ولإيران: لبنان ليس بلد الحرس الثوري

حشد نت | 151 قراءة 

عاجل.. اغتيال رجل الأعمال والداعم الرياضي الشيخ فيصل نجاد في صنعاء

باب نيوز | 137 قراءة 

لماذا خطف ياسر نجل الرئيس هادي الأنظار

المشهد اليمني | 133 قراءة