تشهد السياسة الأمريكية - في ظل ادارة ترامب - تجاه أوروبا تحولا لافتا، حيث انتقلت واشنطن من حالة فرض وصاية عسكرية صارمة على الأوروبيين عبر حلف الناتو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مطالبة الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي وتقليل اعتمادها عليها. في ظاهر الأمر، يبدو هذا التحول متناقضًا مع النهج الأمريكي السابق الذي سعى إلى إبقاء أوروبا تحت المظلة الأمنية الأمريكية، لكنه يعكس في الواقع إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة في ظل التغيرات الجيوسياسية العالمية، خاصة مع صعود الصين كمنافس رئيسي. هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها محاولة لتقليل الأعباء المالية والعسكرية الأمريكية في أوروبا، مع الحفاظ على الهيمنة السياسية عبر آليات غير مباشرة.
لفهم هذا التحول، يمكن الاستعانة بإطار الواقعية البنيوية والهجومية في العلاقات الدولية، حيث تفترض الواقعية البنيوية، التي قدمها كينيث والتز، أن الدول تعمل ضمن نظام دولي فوضوي يسوده مبدأ توازن القوى، وتسعى إلى ضمان أمنها عبر منع أي قوة أخرى من تهديد موقعها. في هذا السياق، كانت الهيمنة الأمريكية على أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تهدف إلى احتكار القوة ومنع ظهور أي تكتل عسكري مستقل قد يهدد النفوذ الأمريكي. في المقابل، ترى الواقعية الهجومية، التي بلورها جون ميرشايمر، أن القوى العظمى لا تكتفي بالموازنة، بل تسعى للهيمنة الإقليمية بأقل تكلفة ممكنة. ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير مطالبة واشنطن للأوروبيين بتحمل المزيد من الأعباء الدفاعية كمحاولة لتحرير الموارد العسكرية والمالية الأمريكية لمواجهة التحديات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة دور الضامن الأمني لأوروبا، لكنها في الوقت ذاته فرضت تبعية عسكرية على الحلفاء الأوروبيين. من خلال حلف الناتو، احتكرت واشنطن القيادة العسكرية، مما أضعف قدرة الأوروبيين على بناء دفاع مستقل. كما روّجت لفكرة أن "المظلة النووية الأمريكية" كافية لحماية أوروبا، مما أدى إلى تقليل الحاجة إلى تطوير جيوش أوروبية قوية. ومنذ الخمسينيات، عارضت الولايات المتحدة أي محاولات لإنشاء منظومة دفاعية أوروبية مستقلة، مثل مشروع "جماعة الدفاع الأوروبية"، لضمان بقاء أوروبا معتمدة عليها.
لكن مع نهاية الحرب الباردة، بدأت البيئة الجيوسياسية تتغير، وبدأت واشنطن في إعادة تقييم دورها العسكري في أوروبا. في عهد أوباما، أعلنت الولايات المتحدة عن تحول استراتيجي نحو آسيا لموازنة النفوذ الصيني، لكن الالتزامات الأمريكية في أوروبا ظلت تعيق هذا التوجه. ومع وصول ترامب إلى السلطة، تحول النهج الأمريكي ليصبح أكثر براغماتية، حيث اعتُبر التحالف مع أوروبا ليس التزامًا أمنيًا بقدر ما هو صفقة تجارية. في هذا السياق، طالب ترامب الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي، معتبرًا أن واشنطن لن تستمر في "حماية دول غنية دون مقابل". لم يكن هذا مجرد خطاب سياسي، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع لتخفيف العبء المالي عن الولايات المتحدة، وتحويل الموارد نحو المنافسة مع الصين.
تجلى هذا التحول بوضوح في طريقة تعامل واشنطن مع الأزمة الأوكرانية، حيث فضّلت الولايات المتحدة التفاوض مباشرة مع روسيا دون إشراك الأوروبيين بشكل فاعل، مما عكس رغبتها في إدارة الصراع وفقًا لأولوياتها الاستراتيجية الخاصة. هذا التوجه لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن عن أوروبا، لكنه يعكس تحولها من دور "الحامي المباشر" إلى دور "القوة الموجهة من الخلف"، حيث تترك للأوروبيين مسؤولية التعامل مع التهديدات الإقليمية بينما تركز اهتمامها على آسيا.
قد يبدو أن واشنطن بحاجة إلى أوروبا أكثر من أي وقت مضى لمواجهة الصين، فلماذا تضغط عليها بدلاً من تعزيز التحالف؟ الجواب يكمن في طبيعة الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى الحفاظ على الهيمنة بأقل تكلفة. فالولايات المتحدة تدرك أن التحدي الحقيقي في العقود المقبلة لن يكون من روسيا، بل من الصين، وبالتالي فهي تعمل على إعادة ترتيب الأدوار داخل التحالف الغربي بحيث تتحمل أوروبا مسؤولية موازنة روسيا، بينما توجه واشنطن مواردها نحو آسيا. هذه الاستراتيجية تشبه إلى حد كبير ما يُعرف في العلاقات الدولية بـ"التوازن من الخارج"، حيث تسعى القوة العظمى إلى إدارة الأمن الإقليمي من خلال الحلفاء دون الانخراط المباشر.
اخبار التغيير برس
لكن هذا النهج لا يخلو من المخاطر، إذ قد يدفع أوروبا إلى البحث عن مزيد من الاستقلال الدفاعي، كما يتجلى في مبادرات مثل "التعاون المنظم الدائم" (PESCO) داخل الاتحاد الأوروبي، التي تهدف إلى تطوير قدرات عسكرية أوروبية مستقلة. رغم ذلك، لا يزال هناك انقسام داخل أوروبا حول الموقف من روسيا، مما يجعل من الصعب بناء قوة دفاعية موحدة بعيدًا عن الناتو. كما أن تقليص الالتزامات الأمريكية قد يؤدي إلى تراجع مصداقية الناتو، مما قد يشجع روسيا على توسيع نفوذها، خاصة في دول أوروبا الشرقية.
على المدى البعيد، قد تؤدي هذه الضغوط إلى إعادة تشكيل التحالف الغربي، حيث قد تبحث أوروبا عن شراكات جديدة لتحقيق التوازن، مثل تعزيز العلاقات مع الصين في مجالات التكنولوجيا والطاقة. في المقابل، قد تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط أي تحركات أوروبية نحو الاستقلال التام، عبر استخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية لإبقاء أوروبا ضمن فلكها الاستراتيجي.
لا يعكس هذا التناقض في السياسة الأمريكية ضعفًا في الرؤية، بل هو جزء من عملية تكيُّف استراتيجية مع نظام دولي متغير. فمنذ عام 1945، استخدمت واشنطن أوروبا كأداة لتعزيز نفوذها، لكنها اليوم تعيد توظيفها كشريك تابع يتحمل مزيدًا من الأعباء الدفاعية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على قدرة الولايات المتحدة على تحقيق توازن دقيق بين تقليل التزاماتها الأمنية دون فقدان السيطرة، وإقناع أوروبا بتحمل مسؤولية الدفاع دون دفعها نحو الاستقلال التام. في النهاية، تذكّرنا هذه التحولات بأن التحالفات بين القوى العظمى ليست ثابتة، بل هي علاقات خاضعة لحسابات المصالح القومية، حيث تسعى كل قوة إلى تعظيم نفوذها بأقل تكلفة ممكنة.
*محمود الشرعبي - باحث في العلاقات الدولية*
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news