في وداع حارس البهجة الأبدية

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 128 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
في وداع حارس البهجة الأبدية

عندما رأيت الشاعر والأديب عبد الإله القدسي – الذي غادرنا قبل أيام – كان اللقاء في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وكان الرجل كعادته يحمل ذلك الوجه الذي يضحك ويسخر من كل شيء، وفي جوفه غضب من سخريات القدر ومن تفاهات البشر، وأمراض السلطويين ونفاق المدسوسين والمتسلقين الأغبياء.

كان شاباً في ملامحه من غزته شيخوخة القهر المفاجئ في غير أوان ومن دون استئذان. فاحتفظ بمرح يخالطه التمعن والتدبر، والصبر على واقع الحال من باب “مكره أخاك لا بطل”.

التهامي النبيل الذي تلخص حياته سيرة بلد نصبوا له مشنقة الماضي التي لم تسمح له بالتقدم خطوة واحدة صوب المستقبل. ولك أن تتخيل العائد من دراسة الصحافة في الاتحاد السوفيتي إلى وحل الواقع في وطن القبائل والجنرالات وحمران العيون الذين يشترون القصائد وينسبونها لأنفسهم، ويتربعون على كراسٍ ومواقع لا يستحقونها.

كان عبد الإله منا نحن الشباب الذين بدأت تجاربنا تزهر في التسعينيات، ولكنه كان أيضاً أستاذنا ومعلمنا الذي يتواضع محبة وزهداً وصدقاً وهو في بحثه الدؤوب عن النقاء الإنساني. لذلك صادق القدسي كل الأجيال، من جيل البردوني والمقالح والشحاري وعبد الباري وعبد الرحمن الأهدل إلى جيل ريان الشيباني وإياد دماج ومن تلاهم.

عبد الإله القدسي صورة حية لأديب كان يبحث عن مدينة ومدنية مفقودة، وعن وطن مرسوم في المخيلة لكنه لم يتحقق في الواقع، بل ظل حتى الآن يخبرنا أنه وطن الشعارات والأيديولوجيا والعسكر والحروب والانقلابات والقبائل والمتاريس والأخطاء الطباعية والنحوية والإملائية التي ظل عبد الإله يصلح من حالها ويعدلها ويصوبها طوال عمره.

لم يتصوف أو يهرب إلى الروحانيات وكان مؤهلاً لذلك، من حيث وعيه الشفاف باللغة وقراءته الواسعة في التراث، وأشير إلى هذه النقطة تحديداً لأن البعض يفرون إلى التصوف ويغرقون فيه، ولا أدري كيف أشرح أن عبد الإله ظل بتمرده يمنحني (عن بُعد) طاقة هائلة للتمرد ورفض الخرافات وعدم الانجرار إلى ذلك اليقين المغلف بمغالطة النفس.

لا أستطيع الكتابة عنه بدبلوماسية لأنه لم يكن دبلوماسياً، وعندما يحاول أن يكون سرعان ما ينفجر ضاحكاً من نفسه ومن كل ما حوله، وفي كثير من المواقف الجادة كانت نظراته تخبرك أنه جاهز للضحك والتعبير عن السأم وكشف الزيف الذي يصنعه الجميع.

ولأن الجيل الأدبي الأحدث في الظهور يبدأ مسيرته وهو في حالة لا بأس بها من التعافي النفسي ومن الجاهزية للسخرية من كل شيء، كان عبد الإله ينقل تموضعه باستمرار من الجيل السابق إلى الجيل الأحدث، بحثاً عن التعايش مع الوعي الطازج والمتمرد والنقي. فما إن يخرب جيل ويستسلم أفراده للشكليات والحسابات السخيفة حتى يتركه القدسي إلى الجيل الأحدث، وهكذا ظل شاباً طوال حياته ونقياً من أمراض الكبار الذين يتضاءلون في عينيه ويستحقون سهام حكاياته وطرائفه ومروياته التي لا ترحم، ولم لا وهو جليس البردوني الساخر الأعظم.

وداعاً يا صديقنا الشاب يا حارس البهجة الأبدية.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

القبض على مقيم يمني في جدة وعلاقته بهذه الدولة الخليجية

كريتر سكاي | 648 قراءة 

هجوم بري وجوي عنيف على مواقع ‘‘قوات الواجب’’ في صعدة

المشهد اليمني | 612 قراءة 

انفجارات تهز طهران في أعنف يوم من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

حشد نت | 476 قراءة 

بس سخريته من القصف الإيراني على الامارات .. السعودية تقبض على مقيم يمني .. تفاصيل

موقع الأول | 437 قراءة 

الكشف عن تفاصيل تجهيزات كبيرة للحرب

كريتر سكاي | 328 قراءة 

مجتبى خامنئي يشعل سجالا حادا بين قيادي حوثي ومعارض سعودي: طائفي قبيح... منافق مبرمج على حضيرة الحيوانات! 

بوابتي | 266 قراءة 

ترتيبات لعودة رئيس مجلس القيادة إلى هذه المحافظة

المشهد اليمني | 264 قراءة 

فلكي: النصف الثاني من مارس يحمل البشرى لليمن

نيوز لاين | 261 قراءة 

وأخيرًا.. مليشيا الحوثي تحسم الجدل وتحدد موعد تدخلها لإسناد إيران وتكشف أسباب تأخرها حتى الآن

المشهد اليمني | 258 قراءة 

أمريكا تفاجئ إيران بأقوى أسلحتها: أول استخدام قتالي لسلاح هيليوس السري

بوابتي | 255 قراءة